الشيخ محمد الصادقي الطهراني

311

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الولادة ليس إلا الظاهر في الحياة الإنسانية ، دون الباطن الذي لا يظهر إلّا عند بلوغ الحلم ، لا سيما وأن الطبيعة الإنسانية المائلة إلى الإشراك لا تنحو نحو صلاح الباطن . فهذه قصة واقعية عامة بين بني الإنسان تصويرا لمدارج الانحراف في النفس الإنساني من معارج الفطرة التي فطرهم اللّه عليها : « فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً » يعيش عيشة صالحة « جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » وهنا « شركاء » دون « شريك » لا ينطبق على الشيطان ، كما أن « يشركون » جمعا لا ينطبق عليهما ، إذا فهما كل أبوين من هذا النسل ، أنهما عند اثقالها يدعوان اللّه « لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ » ولكنهما ينسيان صالح ما آتاهما اللّه إلى طالح الإشراك به حيث « جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما » إذ يخيل إليهما أن لغير اللّه مدخلا في صالح الولد . وهذه طبيعة الإنسان الغفلان النسيان إلّا من هداه اللّه ووقاه ، تخلفا عما فطره اللّه عليه كما ويكرر قصّ ذلك التخلف في القرآن بصور عدة : « وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » ( 10 : 12 ) - ( وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ » ( 31 : 32 ) ( وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ » ( 30 : 34 ) . وهكذا ينقطع الإنسان فطريا إلى ربه حين تنقطع الأسباب التي كان يعيشها ، فلما كشف عنه ضره رجع إلى نفس الأسباب معتبرا إياها كأنها الكاشفة له ضره ، فقد يمرض مرضا هالكا فلا ينفعه أيطبيب ولا دواء ، فلمّا يعافى ينسب عافيته إلى كل شيء إلّا اللّه ! هذا ، والقول إن « يشركون » وما أشبه جمعا لا ينافي تثنية الأبوين ، فإن دأب القرآن الدائب هو